ابو البركات

164

الكتاب المعتبر في الحكمة

الفصل الثاني فيما يتغير ويستحيل ويتكون ويفسد من هذه الأجسام الأول اما الأجسام السماوية فقد بان من امرها ان التغير انما يعرض لها في حركاتها فقط ولا تعرض لها الاستحالة والفساد لبراءتها عن الضدية وبعدها عن الاضداد واما الأجسام العنصرية فالأرض منها تتغير بان تسخن وتبرد وتتحرك بالحرارة إلى فوق وبالبرودة إلى أسفل وتخالط الماء والهواء والنار ويعرض لها بذلك الاختلاط اتصال وانفصال فاما ان تتغير في الجوهر والقوام بان تكون وتفسد فمما لم يظهر لحس ولم يتضح لعقل بنظر ودليل يعول عليه ومن قال بذلك قال تخمينا وظنا واحتج عليه بما لا يصدقه الحس ولا يشيده النظر لان اجزاءها الأول لا تتجزأ وكثافتها الطبيعية لا تلطف ولا ترق كما يرق الماء ويلطف بعد كثافته التي تكون بالجمود ولا يستحيل غير الأرض أرضا لا النار ولا الهواء ولا الماء اما النار فلان الاطفاء يحيلها هواء لا أرضا والهواء بعيد عن ذلك والماء يجمد ثلجا ولا يستحيل أرضا ومن ظن أنه يستحيل أرضا قاس في ظنه على جموده ثلجا وكانت الأرض عنده الباردة اليابسة والثلج بارد يابس فلم يفرق بين الأرض والثلج والفرق هو ان الجمود والكثافة في الثلج تنحل وتلطف بتسيير الحرارة وترطب بعد يبسه وليس كذلك الأرض فان النار الشديدة لا تذيبها وقوم ظنوا مع معرفتهم بان الثلج غير الأرض ان الماء كما يجمد ثلجا يستحكم جموده بقوة البرد على طول الزمان فتثبت فيه الكثافة ويصير أرضا وغرهم انهم رأوا مياها سائلة من عيون جارية صافية يعدل بها عن سبيل جريتها إلى موضع تقف فيه فتجمد صخرا جلمدا يعسر كسره ولا تذيبه الحرارة فظنوا ذلك استحالة من الماء أرضا وجعلوه من الكون الذي له ثبات وبقاء وما أصابوا في ظنهم وانما ذلك كالجص المبلول بالماء ويخالفه في منظره ويشتبه لصغر الاجزاء وجريانه بحرارته ودفع بعضه بعضا وهو ممتزج بارضية غالبة لا يمهله الجريان ريثما تنحل مائيته المخالطة حتى تجف وتجمد فإذا وقف تحللت المائية المخالطة بالتبخير وبقيت الباقية فيه على